الجدل يلف توازن تدابير مكافحة "كورونا" وخفض خسائر الاقتصاد

الجدل يلف توازن تدابير مكافحة "كورونا" وخفض خسائر الاقتصاد
الأحد 03 ماي 2020 - 13:00
يعلو الجدل الاقتصادي بشكل كبير على الجدلين الطبي والعلمي بخصوص مكافحة فيروس كورونا المستجد في العالم، حيث يبقى الرهان الأبرز للدول هو تبني أفضل السياسات للحد من الوباء وخفض الخسائر الاقتصادية ما أمكن.
وفي الوقت الذي تخرج فيه بعض الدعوات، التي يراها البعض مُتطرفة، لعودة الحياة الاقتصادية بشكل طبيعي وبأسرع وقت، يحاول البعض الآخر تخفيف سياسات العزل بما يسمح بعودة جزئية للنشاط الاقتصادي، بهدف وضع الخسائر الاقتصادية المحتملة في حدها الأدنى.
في هذا السياق، نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة ورقة بحثية اعتمدت على خلاصة دراسة لمجموعة من الباحثين الصينيين المتخصصين في الاقتصاد والسياسات العامة نُشرت بمجلة "الحوكمة الصينية" تحت عنوان: "قانون التوازن.. تخفيض الخسائر الاقتصادية في ظل السيطرة على فيروس كورونا المُستجد".
وتستعرض الورقة الأثر الاقتصادي للأوبئة، وتتناول أساليب التقييم المختلفة لسياسات مكافحة الأوبئة والسيطرة عليها، في ضوء الخبرات الدولية المُكتسبة خلال فترات انتشار فيروسات: سارس، وأنفلونزا الخنازير، والإيبولا، ثم تُقدم توصيات تحقق التوازن المرجوّ بين مكافحة الأوبئة وجعل الخسائر الاقتصادية في حدها الأدنى.
حساب الخسائر
تشير الورقة إلى أن الأوبئة تكون في الغالب السبب في تدهور الأوضاع الصحية والاقتصادية بالدول النامية، لما لها من تأثير يعوق تراكم رأس المال البشري والنمو الاقتصادي؛ فوفقاً لدراسة أجرتها "الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم"، تتجاوز خسائر العالم الاقتصادية المباشرة بسبب الأوبئة حوالي 60 مليار دولار سنوياً.
وتُمثل الأنفلونزا بأنواعها المختلفة في الغالب المصدر الرئيسي لتلك الأوبئة، بسبب قدرة تلك الفيروسات على التحور السريع والانتقال بشكل أسرع بين البشر. وقد شهد العالم ظهور الأنفلونزا الإسبانية عام 1918، لتصيب 500 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وتقتل ما بين 50-100 مليون شخص في الفترة من 1918 إلى 1920؛ وهو ما أدى إلى خسائر اقتصادية زادت على 3 تريليونات دولار، أي حوالي 4.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في ذلك الوقت.
وتُعد تلك النماذج التي تُقدِّر الخسائر الاقتصادية المحتملة للأوبئة ذات أهمية كبيرة، بسبب تأثير نتائجها على سياسات الوقاية والسيطرة التي تضعها الحكومات والمنظمات الدولية؛ فهناك أنواع مختلفة من تلك النماذج الحسابية، ويرجع اختلاف تقديراتها إلى اختلاف المؤشرات المُستخدمة في حسابها.
في هذا الصدد، يُقسِّم البنك الدولي عوامل الخسائر الاقتصادية في فترات الأوبئة إلى أربع فئات: انخفاض القوة العاملة بسبب الوفاة؛ الغياب وانخفاض إنتاجية العمل بسبب الأوبئة؛ تخصيص الموارد لمكافحة الأوبئة ومعالجتها؛ وأخيراً سياسات حماية الأفراد وسياسات الوقاية والسيطرة العامة.
على المستوى الجزئي، يُمكن تقسيم التأثير الاقتصادي للأوبئة، بشكل عام، إلى تأثيرات مباشرة وغير مباشرة. ويشمل التأثير المباشر الموارد المُستثمَرة في علاج الأوبئة، مثل التكاليف الطبية للمصابين، وتطوير اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات. بينما يكمن التأثير غير المباشر في التغيب عن العمل وانخفاض الإنتاجية.
وتشير الإحصاءات إلى أن 60 في المائة من الخسائر الاقتصادية التي نتجت عن وباء الأنفلونزا الإسبانية (والمُقدرة بـ3 تريليونات دولار) كانت خسائر غير مباشرة ناجمة عن تدابير الوقاية والسيطرة.
وعلى مستوى القطاعات الإنتاجية، يؤثر انتشار الأوبئة على قطاع الزراعة بشكل أساسي؛ فمن ناحية يحدث نقص في القوى العاملة وعوامل الإنتاج الأخرى، مما يؤدي إلى تأخير الزراعة وتقليل الإنتاجية في نهاية المطاف.
على سبيل المثال، أدى انخفاض مدخلات العمالة في المراحل المبكرة من تفشي فيروس إيبولا عام 2014 إلى انخفاض إنتاج الأرز بنسبة 20 في المائة، وانخفاض إنتاج القهوة بنسبة 50 في المائة في غانا مقارنة بعام 2013.
أما في قطاعات التصنيع، فيختلف تأثير الوباء وفقاً لطبيعة كل صناعة، وقد حاول الخبراء قياس هذا التأثير عبر مراقبة مؤشرات البورصة لشركات عديدة؛ فخلال فترة انتشار مرض سارس، ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا الحيوية، بسبب زيادة الطلب على الأقنعة (مثل N95) والمنتجات المتعلقة بتقنية النانو والمحفزات الضوئية (مثل مصابيح الفلورسنت)، لكن في الوقت ذاته، انخفضت أسعار الأسهم في صناعة الفنادق بشكل ملحوظ، مما يعكس عدم التجانس في التأثير على القطاعات المختلفة.
على المستوى الكلي، يظهر أن الأمراض والأوبئة في أوروبا بالعصور الوسطى أدت إلى انخفاض حاد في عدد السكان في فترة قصيرة، مع تغيير الهيكل السكاني لأوروبا على المدى الطويل، والذي كان بمثابة عامل خارجي مهم لتعزيز الرأسمالية والتحضر هناك.
وقد درس الباحثون الآثار طويلة الأمد لوباء الكوليرا في لندن في خمسينيات القرن التاسع عشر، حيث تسبب في أكثر من 600 حالة وفاة على المدى القصير، مع معدل وفيات بنسبة 12.8% في المنطقة، في حين ظهر التأثير طويل المدى في التوزيع الحضري للفقر وتفاوت أسعار المساكن.
تقييم تدابير مكافحة الأوبئة
تقول الورقة البحثية إن أهم ما يشغل بال خبراء الاقتصاد هو وضع إستراتيجيات فعّالة لمكافحة الوباء، والتي تُحقّق التوازن بين الحد من انتقال الفيروس والتكلفة الاقتصادية لذلك؛ وهو الأمر الذي يفرض، في المقام الأول، تقييم السياسات الدولية الحالية للسيطرة على الأوبئة، وهناك ثلاث طرق للتقييم هي على النحو التالي:
الطريقة الأولى في تقييم سياسات مكافحة الأوبئة هي تلك التي تقيس مدى نجاح السياسات في السيطرة على بقاع انتشار الوباء والسيطرة على أعداد المُصابين والمتوفين، دون النظر للتكلفة الاقتصادية.
أما الطريقة الثانية فتُركز على قياس التكلفة الاقتصادية لتدابير المنع والسيطرة على الأوبئة، حيث استخدم مجموعة من الباحثين "نموذج محاكاة مونت كارلو لتحليل تأثير المخاطر على التكلفة" لتقييم سياسات مكافحة فيروس إيبولا.
وقد أظهرت النتائج أن تكلفة حالات الشفاء تراوحت بين 480 دولاراً إلى 912 دولاراً للفرد، في حين تراوحت تكلفة الحالات المتوفاة (بسبب الفيروس) بين 5929 دولارًا إلى 18929 دولاراً للفرد، حسب العمر والبلد، وتُقاس تكلفة كل حالة وفاة بحساب الخسارة الناتجة عن نقص الإنتاجية وتعطلها.
في حين تصب الطريقة الثالثة اهتمامها على طبيعة الاستجابة الفردية لسياسات مكافحة الأوبئة، حيث وُجد أن سلوكيات الأفراد وتفاعلهم مع تلك السياسات يؤثر على التكلفة الاقتصادية النهائية.
ونجد أن بعض السلوكيات قد تؤدي إلى الضغط على المستشفيات ومراكز الخدمة الصحية، وأحيانًا تندلع أعمال عنف، إضافة إلى قيام الأفراد -في كثير من الحالات- باكتناز السلع الاستهلاكية وتلك المرتبطة بالأوبئة (مثل الأقنعة والمطهرات)؛ وهو ما يؤدي إلى سوء تخصيص وإهدار للموارد العامة، وقد يضع البلاد في أزمات اقتصادية حادة.
قانون التوازن
يرى الباحثون أنه من الضروري بمكان وضع الطرق الثلاث السابقة في الاعتبار عند وضع خطة أو تقديم توصيات، للسيطرة على وباء فيروس كورونا، مع الوصول إلى الحد الأدنى من التكلفة الاقتصادية.
ومن أجل ذلك، تقدم الورقة التوصيات التالية التي يمكن تلخصيها في الوقاية والبحث العلمي والمعلومات الصحيحة:
1ـ ضرورة التركيز على جمع المعلومات الوبائية في الوقت المناسب، لأن فعالية الوقاية من الأوبئة ومكافحتها يعتمد على فهم طبيعة الفيروس وقدراته وطرق انتقاله. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يقوم "النظام الوطني لمعلومات الصحة العامة" برصد شامل للأوبئة الناشئة؛ وهو ما يلعب دورًا مهمًّا في جمع المعلومات والإنذار في الوقت المناسب.
وتورد الورقة أنه منذ تفشي فيروس سارس عام 2003، زادت الحكومة الصينية من استثماراتها طويلة الأجل في أنظمة مراقبة الأوبئة، وبناء نظام إبلاغ مباشر على المستوى الوطني وتحسين تكنولوجيا الأجهزة.
2ـ اتّباع نهج علمي شامل لمعالجة المعلومات الوبائية، وهو ما سيُساعد في اكتشاف مصدر الفيروس، وتطوير الأدوية واللقاحات المضادة له، حيث تشير إلى أنه منذ تفشي السارس عام 2003 أحرزت الأبحاث الطبية الحيوية في الصين تقدماً كبيراً.
وبالمقارنة مع تحليل "التوصيف الفيروسي" الذي استغرق شهوراً خلال مرض السارس، فقد وصلت الفترة بين ظهور أول حالة مؤكدة وعزل فيروس كورونا المستجد إلى أقل من شهر.
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تنسيق السياسات بين الإدارات الحكومية والمحلية، بحيث تسير سياساتهما في الاتجاه نفسه، وبنفس ترتيب الأهداف وأولوياتها.
3ـ إن نشر المعلومات الدقيقة حول الأوبئة في الوقت المناسب هو عنصر مهم للوقاية والمكافحة الفعالة؛ فمن ناحية، قد يؤدي نقص المعلومات الحقيقية إلى تجاهل الجمهور للوباء، وبالتالي تسريع تفشي المرض على نطاق واسع وزيادة التكاليف اللاحقة. ومن ناحية أخرى، ومع تطور وسائل الإعلام، وعندما لا تستطيع الحكومة تقديم معلومات فعالة وحقيقية، يمكن توليد كمية كبيرة من المعلومات الكاذبة التي تثير الذعر بين الجمهور، مما يتسبب في خسائر اقتصادية أكثر خطورة من الضرر الناتج عن الفيروس ذاته.

Publier un commentaire

MKRdezign

Formulaire de contact

Nom

Adresse e-mail *

Message *

Fourni par Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget